أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
343
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن ، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن ، هذا وقد اتفقوا على أن التحريم لأمهات النساء مبهم » . انتهى . ثم قال : « إلا ما روي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير أنهم قرؤوا « وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن » فكان ابن عباس يقول : « واللّه ما أنزل إلا هكذا » فقوله : « أعلقه بالنساء والربائب » إلى آخره يقتضي أن القيد الذي في الربائب - وهو الدخول - في أمهات نسائكم ، كما تقدم حكايته عن علي وابن عباس . قال الشيخ « 1 » : « ولا نعلم أحدا أثبت ل « من » معنى الاتصال ، وأما الآية والبيت والحديث فمؤولة . قوله : وَحَلائِلُ جمع « حليلة » وهي الزوجة ، سمّيت بذلك لأنها تحلّ مع زوجها حيث كان ، فهي فعيلة بمعنى فاعلة ، والزوج حليل كذلك ، قال : 1573 - أغشى فتاة الحيّ عند حليلها * وإذا غزا في الجيش لا أغشاها « 2 » وقيل : اشتقاقها من لفظ الحلال ؛ إذ كلّ منهما حلال لصاحبه ، وهو قول الزجاج وجماعة ، ف « فعيل » بمعنى مفعول أي : محلّلة له وهو محلل لها ، إلا أنّ هذا يضعفه دخول التأنيث ، اللهم إلا أن يقال إنه جرى مجرى الجوامد كالنطيحة والذبيحة . وقيل : هما من لفظ « الحلّ » ضد العقد ؛ لأنّ كلا منهما يحلّ إزار صاحبه . الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ صفة مبينة ؛ لأنّ الابن قد يطلق على المتبنّى به وليست امرأته حراما على من تبنّاه ، وأمّا الابن من الرضاع فإنه وإن كان حكمه حكم ابن الصّلب في ذلك فمبيّن بالسنة فلا يرد على الآية الكريمة . وأصلاب : جمع « صلب » وهو الظهر ، سمّي بذلك لقوته اشتقاقا من الصّلابة ، وأفصح لغتيه : صلب بضم الفاء وسكون العين وهي لغة الحجاز ، وبنو تميم وأسد يقولون « صلبا » بفتحهما ، حكى ذلك الفراء عنهم في كتاب « لغات القرآن » له ، وأنشد عن بعضهم : 1574 - في صلب مثل العنان المؤدم « 3 » وحكى عنهم : « إذا أقوم اشتكى صلبي » . قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا في محلّ رفع عطفا على مرفوع « حرّمت » أي : وحرّم عليكم الجمع بين الأختين ، والمراد الجمع بينهما في النكاح ، أمّا في الملك فجائز اتفاقا ، وأمّا الوطء بملك اليمين ففيه خلاف ليس هذا موضعه . قوله : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع ، فهو منصوب المحل كما تقدّم في نظيره أي : لكن ما مضى في الجاهلية فإن اللّه يغفره . وقيل : المعنى إلا ما عقد عليه قبل الإسلام ، فإنه بعد الإسلام يبقى النكاح على صحته ، ولكن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى ، وكان قد تقدّم قريب من هذا المعنى في « ما قَدْ سَلَفَ » الأول ، ويكون الاستثناء عليه متصلا ، وهنا لا يتأتّى الاتصال البتة لفساد المعنى . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 24 ] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 24 )
--> ( 1 ) البحر المحيط ( 2 / 212 ) . ( 2 ) البيت لعنترة انظر ديوانه ( 308 ) ، البحر ( 3 / 193 ) . ( 3 ) البيت للعجاج انظر ديوانه ( 1 / 405 ) ، إصلاح المنطق ( 29 ) .